الخطيب الشربيني
119
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
هذا يحصل به التخويف لكل العصاة . ثم إنّ الله تعالى صبر نبيه صلّى اللّه عليه وسلم على ما يناله من جلافتهم وعماهم عن السبيل الذي هدى إليه الدليل بقوله تعالى : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي : في عدم إيمانهم فإنما عليك البلاغ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ أي : لا تهتم بمكرهم عليك فأنا ناصرك عليهم وجاعل تدميرهم في تدبيرهم كطغاة قوم صالح . تنبيه : الضيق الحرج يقال ضاق الشيء ضيقا وضيقا بالفتح والكسر ، ولهذا قرأ ابن كثير بكسر الضاد ، والباقون بالفتح . ولما أشار تعالى إلى أنهم لم يبقوا في المبالغة في التكذيب بالساعة وجها أشار تعالى إلى أنهم في التكذيب بالوعيد بالساعة وغيرها من عذاب الله أشدّ مبالغة بقوله تعالى : وَيَقُولُونَ بالمضارع المؤذن بالتجدّد كل حين والاستمرار مَتى هذَا الْوَعْدُ أي : العذاب والبعث والمجازاة الموعود بها وسموه وعدا إظهارا لمجيئه تهكما به إِنْ كُنْتُمْ أي : أنت ومن تبعك صادِقِينَ فيه ، ثم أمر الله تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلم أن يجيبهم بقوله تعالى : قُلْ لهم عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي : تبعكم وردفكم ولحقكم ، فاللام مزيدة على هذا للتأكيد كالباء في قوله وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ [ البقرة ، 195 ] ويصح أن يكون تضمن ردف معنى فعل فتعدى باللام نحو دنا وقرب وأردف وبهذا فسره ابن عباس ، وقد عدّي بمن في قول القائل « 1 » : فلما ردفنا من عمير وصحبه * تولوا سراعا والمنية تعنق يعني دنونا من عمير بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ أي : فحصل لهم القتل ببدر وباقي العذاب يأتي بعد الموت . تنبيه : عسى ولعلّ وسوف في مواعيد الملوك كالجزم بها ، وإنما يطلقون إظهارا لوقارهم وإشعارا بأنّ الرمز منهم كالتصريح من غيرهم وعليه جرى وعد الله ووعيده . ولما كان التقدير فإنّ ربك لا يعجل على هذا العاصي بالانتقام مع تمام قدرته عطف عليه : وَإِنَّ رَبَّكَ أي : المحسن إليك بالحلم على أمّتك لَذُو فَضْلٍ أي : تفضل وإنعام عَلَى النَّاسِ أي : كافة وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ أي : لا يعرفون حق النعمة له ولا يشكرونه بل يستعجلون بجهلهم العذاب ، قال ابن عادل : وهذه الآية تبطل قول من قال لا نعمة لله على كافر . وَإِنَّ رَبَّكَ أي : والحال أنه لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ أي : تضمر وتسرّ وتخفي صُدُورُهُمْ أي : الناس كلهم فضلا عن قومك وَما يُعْلِنُونَ أي : يظهرون من عداوتك وغيرها فيجازيهم على ذلك . وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي : في أيّ موضع كان منهما ، وأفردهما دلالة على إرادة الجنس الشامل لكل فرد . تنبيه : في هذه التاء قولان : أحدهما : أنها للمبالغة كراوية وعلّامة في قولهم ويل للشاعر من راوية السوء ، كأنه تعالى قال وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد علمه الله تعالى ، والثاني : أنها كالتاء الداخلة على المصادر نحو العاقبة والعافية ، قال الزمخشريّ : ونظيرها الذبيحة
--> ( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .